الشيخ الطبرسي
307
تفسير مجمع البيان
كان لي قرين ) في دار الدنيا أي : صاحب يختص بي ، إما من الإنس على قول ابن عباس ، أو من الشيطان على قول مجاهد . ( يقول ) لي على وجه الانكار علي ، والتهجين لفعلي ( أئنك لمن المصدقين ) بيوم الدين ، وبالبعث ، والنشور ، والحساب ، والجزاء . والاستفهام هنا على وجه الانكار . ( أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ) أي : مجزيون محاسبون من قولهم : كما تدين تدان ، والمعنى : إن ذلك القرين كان يقول لي في الدنيا على طريق الاستبعاد والاستنكار : أنبعث بعد أن صرنا ترابا وعظاما بالية ، ونجازى على أعمالنا أي : إن هذا لا يكون أبدا . وهذا أبلغ في النفي من أن يقول لا نبعث ، ولا نجازى . ( قال هل أنتم مطلعون ) أي : ثم قال هذا المؤمن لإخوانه في الجنة : هل أنتم مطلعون على موضع من الجنة يرى منه هذا القرين ؟ يقال : طلع على كذا : إذا أشرف عليه ، والمعنى : هل تؤثرون أن تروا مكان هذا القرين في النار ؟ وفي الكلام حذف أي : فيقولون له : نعم ، إطلع أنت ، فأنت أعرف بصاحبك . قال الكلبي : وذلك لان الله تعالى جعل لأهل الجنة كوة ينظرون منها إلى أهل النار . ( فاطلع فرآه ) أي : فاطلع هذا المؤمن ، فرأى قرينه ( في سواء الجحيم ) أي : في وسط النار . ( قال ) أي : فقال له المؤمن ( تالله إن كدت لترديني ) هذه ( إن ) المخففة من الثقيلة بدلالة مصاحبة لام الابتداء لها في قوله ( لترديني ) . أقسم بالله سبحانه على وجه التعجب ، إنك كدت تهلكني بما قلته لي ، ودعوتني إليه ، حتى يكون هلاكي كهلاك المتردي من شاهق . ومنه قوله : ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) أي : تردى في النار ( ولولا نعمة ربي ) علي بالعصمة واللطف والهداية حتى آمنت ( لكنت من المحضرين ) معك في النار ، ولا يستعمل أحضر مطلقا إلا في الشر . قال قتادة : فوالله لولا أن الله عرفه إياه ، لما كان يعرفه . لقد تغير حبره وسبره أي : حسنه وسحناؤه ( 1 ) . ( أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) معناه : إن هذا المؤمن
--> ( 1 ) السحناء : الهيئة واللون .